سيد محمد طنطاوي
527
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال الآلوسي : وتقديم المال على البنين - مع كونهم أعز منه عند أكثر الناس لعراقته فيما نيط به من الزينة والإمداد وغير ذلك . . ولأنه زينة بدونهم من غير عكس فإن من له بنون بغير مال فهو في أضيق حال . . » « 1 » . وفي التعبير بقوله - سبحانه - زينة ، بيان بديع . وتعبير دقيق لحقيقتهما ، فهما زينة وليسا قيمة ، فلا يصح أن توزن بهما أقدار الناس ، وإنما توزن أقدار الناس بالإيمان والعمل الصالح ، كما قال - تعالى - إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّه أَتْقاكُمْ . ولذا جاء التعقيب منه - سبحانه - بقوله : * ( والْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وخَيْرٌ أَمَلًا ) * . أي : المال والبنون زينة يتزين ويتفاخر بها كثير من الناس في هذه الحياة الدنيا ، وإذا كان الأمر كذلك في عرف كثير منهم . فإن الأقوال الطيبة ، والأعمال الحسنة ، هي الباقيات الصالحات ، التي تبقى ثمارها للإنسان ، وتكون عند اللَّه - تعالى - * ( خَيْرٌ ) * من الأموال والأولاد ، ثوابا وجزاء وأجرا * ( وخَيْرٌ أَمَلًا ) * حيث ينال بها صاحبها في الآخرة ما كان يؤمله ويرجوه في الدنيا من فوز بنعيم الجنة ، أما المال والبنون فكثيرا ما يكونان فتنة . وقد ساق الإمام ابن كثير جملة من الآثار في تعيين المراد بالباقيات الصالحات فقال : قال ابن عباس وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف : والباقيات الصالحات : الصلوات الخمس . وقال عطاء بن أبي رياح وسعيد بن جبير عن ابن عباس : * ( والْباقِياتُ الصَّالِحاتُ ) * : سبحان اللَّه والحمد للَّه ، ولا إله إلا اللَّه ، واللَّه أكبر . . « 2 » . ويبدو لنا أن قوله - تعالى - : * ( والْباقِياتُ الصَّالِحاتُ ) * لفظ عام ، يشمل كل قول ، أو عمل يرضى اللَّه - عز وجل - ويدخل في ذلك دخولا أوليا : الصلوات الخمس وغيرها مما ذكره المفسرون من أقوال . وسمى - سبحانه - ما يرضيه . من أقوال ، وأعمال بالباقيات الصالحات لأنها باقية لصاحبها غير زائلة ولا فانية ، بخلاف زينة الحياة الدنيا فإنها زائلة فانية . قال الإمام ابن جرير - رحمه اللَّه - وأولى الأقوال بالصواب قول من قال : هن جميع أعمال الخير . . لأن ذلك كله من الصالحات التي تبقى لصاحبها في الآخرة ، وعليها يجازى
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 286 . ( 2 ) راجع تفسير ابن كثير ج 5 ص 157 .